نظرية المحاكاة الطبيعية عند أفلاطون وانعكاساتها عند الفارابي وابن جني.

يهدف هذا البحث إلى عرض نظرية المحاكاة الطبيعية عند أفلاطون، وهي نظرية وضعها لتفسير أصل اللغة وإطلاق الأسماء، وأوردها في محاورة خاصة هي محاورة كراتيليوس، كما يهدف إلى بيان انعكاس هذه النظرية عند عالمين بارزين في مجال البحث اللغوي في العالم الإسلامي، هما: الفارابي وابن جني. وترى هذه النظرية – وهي في مجالها أقدم نظرية مكتوبة وصلت إلينا – أن أصل وضع الأسماء كان عن طريق محاكاة هذه الأسماء لمسمياتها من خلال الحروف والمقاطع، فالحروف لها خصائص طبيعية، وللأشياء خصائص طبيعية، والمشرعون وواضعو الأسماء الأوائل اختاروا حروفاً ومقاطع لتدل على الأشياء المختلفة، مراعين أن تكون طبيعة هذه الحروف والمقاطع المختارة لتسمية شيء من الأشياء محاكية لطبيعة هذا الشيء الذي تسميه ودالة على طبيعته، وعليه فالاسم المثالي – بحسب هذه النظرية – هو الذي يدل على طبيعة الشيء الذي يسميه. وقد عد أفلاطون هذه النظرية العلمية الوحيدة الممكنة؛ لأن التفسيرات الأخرى المحتملة ليست تفسيرات علمية، وهي: افتراض أن الآلهة هي التي وضعت الأسماء الأولى؛ وأن الأسماء الأولى وضعتها شعوب أخرى أقدم منا؛ وأن العصور القديمة ألقت على موضوع اللغة حجاباً فلا يمكن معرفة أصلها، وأن الأسماء أطلقت عن طريق الاصطلاح الاعتباطي. وقد بين البحث الصعوبات التي تواجه هذه النظرية، وهي صعوبات أدركها أفلاطون نفسه، ومن أبرز هذه الصعوبات عدم قدرة هذه النظرية على تفسير جميع الألفاظ في اللغة اليونانية أو في غيرها، وهو الأمر الذي يفسح المجال للقول بنظرية أخرى هي نظرية الوضع الاتفاقي. وقد بين البحث أن هذه النظرية يجب أن تستند إلى نظرية عامة في تفسير الوجود وحقيقته. ثم انتقل البحث إلى بيان انعكاسات هذه النظرية لدى عالمين بارزين في مجال البحث اللغوي هما: الفارابي وابن جني، حيث قدم أقوالاً لكل منهما يتضح فيها وجود انعكاس لما عليه نظرية أفلاطون هذه من أفكار، وهو الأمر الذي يدعم القول بمعرفة العرب بمحاورة كراتيليوس، ويؤكد أن الحكمة كانت ضالة هؤلاء العلماء، لا يتوانون في التقاطها من أي وعاء خرجت.